أبي هلال العسكري
194
الصناعتين ، الكتابة والشعر
وقال آخر « 1 » : هلّا سألت جموع كند * ة يوم ولوا أين أينا الاتباع وإنما جاءوا بالصّفة وأرادوا توكيدها فكرهوا إعادتها ثانية ؛ فغيّروا منها حرفا ، ثم أتبعوها الأولى ؛ كقولهم : « عطشان نطشان » كرهوا أن يقولوا : عطشان عطشان ؛ فأبدلوا من العين نونا . وكذلك قالوا : حسن بسن . وشيطان ليطان ، في أشباه له كثيرة . وقد كرّر اللّه عزّ وجل في سورة الرحمن قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؛ وذلك أنه عدّد فيها نعماءه وأذكر عباده آلاءه ، ونبّههم على قدرها ، وقدرته عليها ، ولطفه فيها ، وجعلها فاصلة بين كل نعمة ليعرف موضع ما أسداه إليهم منها . وقد جاء مثل ذلك عن أهل الجاهلية ؛ قال مهلهل « 2 » : على أن ليس عدلا من كليب فكرّرها في أكثر من عشرين بيتا . وهكذا قول الحارث بن عبّاد : قرّبا مربط النعامة منّى كرّرها أكثر من ذلك ؛ هذا لمّا كانت الحاجة إلى تكريرها ماسّة ، والضرورة إليه داعية ، لعظم الخطب ، وشدّة موقع الفجيعة ؛ فهذا يدلّك على أنّ الإطناب في موضعه عندهم مستحسن ، كما أنّ الإيجاز في مكانه مستحبّ . ولا بدّ للكاتب في أكثر أنواع مكاتباته من شعبة من الإطناب يستعملها إذا أراد المزاوجة بين الفصلين ، ولا يعاب ذلك منه . وذلك مثل أن يكتب : عظمت نعمنا عليه ، وتظاهر إحساننا لديه . فيكون الفصل الأخير داخلا في معناه في الفصل الأول ؛ وهو مستحسن لا يعيبه أحد .
--> ( 1 ) البيت لعبيد بن الأبرص ، انظر شرح ديوان امرئ القيس ص 4 ( طبعة هندية ) سنة 1324 . ( 2 ) مهذب الأغانى : 1 - 190 .